كنوز أم الدنياسلسلة معالم مصر التاريخية علي مر العصوريكتبها: المهندس “طارق بدراوى”** المجمع الإيطالي بالقاهرة **

مقتطفات من الأجزاء التالية لكتابنا كنوز أم الدنيا
سلسلة معالم مصر التاريخية علي مر العصور
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
** المجمع الإيطالي بالقاهرة **
تعد إيطاليا أقرب بلاد أوروبا إلي مصر بحكم موقعها جنوبي القارة الأوروبية وإلي الشمال من البحر الأبيض المتوسط وفي العصر الروماني كانت مصر تابعة للإمبراطورية الرومانية التي كانت عاصمتها روما العاصمة الإيطالية الحالية وزار مصر العديد من الأباطرة الرومان منهم يوليوس قيصر وهدريان ودقلديانوس كما حدثت علاقة مصاهرة بين مصر وروما عندما تزوج يوليوس قيصر من الملكة المصرية كليوباترا وفي العصر الحديث وبداية من عصر محمد علي باشا في أوائل القرن التاسع عشر الميلادى توجه محمدعلي أولا نحو إيطاليا فكانت أولي البلاد الأوروبية التي أرسل إليها البعثات التعليمية من أجل نقل أسس الحضارة الحديثة إلي مصر فقرر إرسال أول بعثة رسمية إلى مدينة ميلانو في إيطاليا برئاسة رجل إسمه نيقولا المسابكي لتعلم فن الطباعة وحينما عاد نيقولا من بعثته كلفه محمد علي بتشييد أول مطبعة حكومية رسمية في مصر وقد تم البدء في إقامة بناء هذه المطبعة في عام 1235 هجرية الموافق عام 1820م في جزء من مساحة الترسانة البحرية في الجزء الممتد على ضفة النيل الشرقية بحي بولاق شمالي القاهرة وتم تعيين نيقولا المسابكي ناظرا للمطبعة كما تم تعيين مجموعة من الموظفين بها وبلغ العمل في المطبعة أشده وبدأت في عملية الإنتاج الفعلي فيما بين شهر أغسطس إلى شهر ديسمبر عام 1822م حينما أصدرت المطبعة أول مطبوعاتها في شهر ديسمبر عام 1822م وكانت ممثلة في قاموس إيطالي عربي وكان ذلك تلبية وترجمة لفكر محمد علي في ضرورة الإنفتاح على أوروبا لإقتباس أسباب تقدمها ومن ثم ظهرت الحاجة إلى الترجمة بالإضافة إلى أن محمد علي إتجه في أول الأمر إلى إيطاليا في إرسال البعثات العلمية قبل أن يوجهها إلي فرنسا كما أسلفنا القول ولذلك كانت اللغة الإيطالية هي أول لغة أجنبية تدرس في المدارس التي قام بإنشائها في مصر كما إستعان محمد علي بالعديد من الفنانين الإيطاليين في عمل النقوش والزخارف والرسومات البديعة التي تم تزيين قصره في شبرا الخيمة بها كما إستقدم محمد علي العديد منى الخبراء الإيطاليين للمساعدة في المهام المختلفة لبناء الدولة الحديثة مثل التنقيب عن الآثار والتنقيب عن المعادن وفي فتح السودان وتصميم مدينة الخرطوم ورسم أول خريطة تفصيلية لدلتا نهر النيل .
وإلي جانب ماسبق قام مجلس الأورناطو الذى شكله محمد علي لكي يضع أسس تحديث وتطوير مدينة الإسكندرية بتكليف المهندس المعمارى الإيطالي فرانشيسكو مانشيني والذى من إسمه إشتقت كلمة المنشية التي أطلقت علي ميدان المنشية وعلي الحي بأكمله بعمل تخطيط للميدان وللمنطقة بالكامل فقام بالمهمة خير قيام فخططه تخطيطا عمرانيا متميزا غلب عليه الطابع الإيطالي وبمرور الوقت أصبح الميدان هو قلب الإسكندرية التجارى وإمتد الحي منه متخذا نفس الطابع في مبانيه ومنشآته ويظهر ذلك بوضوح في تصميمات وواجهات العديد من المباني المطلة والقريبة من الميدان مثل مبني وكالة منشة ووكالة مونفراتو وقصر القنصلية الفرنسية ومبنى المحكمة المختلطة الذى يسمى بسراى الحقانية الذى بدأ تشييده عام 1869م في عهد الخديوى إسماعيل علي يد المهندس المعمارى الإيطالي لازروف وتم الإنتهاء من بنائه وإفتتاحه رسميا عام 1875م وبعد ذلك تم تجديده مرة أخرى عام 1886م في عهد الخديوى توفيق علي يد المهندسين المعماريين الإيطاليين ألفونسو مانيسيكالكو وأوجستو سيزارياس حيث زادت العلاقات المصرية الإيطالية عمقا وكان من مظاهر ذلك تكليف الخديوى إسماعيل المهندسين المعماريين الإيطاليين الشهيرين بيترو أفوسكاني وروتسيي بتصميم دار الأوبرا الخديوية وأيضا تكليف الموسيقار الإيطالي الشهير جوزيبي فيردى بتأليف أوبرا عايدة لتقديمها في حفل إفتتاح دار الأوبرا الذى واكب إفتتاح قناة السويس للملاحة في شهر نوفمبر عام 1869م والتي تأخر شحن الديكورات والملابس الخاصة بها من إيطاليا فتم تقديم أوبرا ريجوليتو لنفس الموسيقار في حفل الإفتتاح بدلا منها ثم تم تقديم أوبرا عايدة بعذ ذلك بحوالي سنتين كما كانت إيطاليا هي المنفي الذى لجأ إليه الخديوى إسماعيل بعد خلعه من عرش مصر في شهر يونيو عام 1879م وعاش بها حوالي 9 سنوات حتي تعطف عليه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وسمح له بالإقامة في الآستانة عام 1888م فإنتقل للإقامة بها حتي وافته المنية يوم 2 مارس عام 1895م .
وفي نهاية القرن التاسع عشر الميلادى وبداية القرن العشرين الماضي زاد عدد الإيطاليين في مصر زيادة كبيرة وكونوا ثاني أكبر جالية أجنبية في مصر بعد الجالية اليونانية وبحسب تعداد مصر عام 1882م وصل عدد الإيطاليين في مصر إلى حوالي 18.5 ألف نسمة وبحلول عام 1897م إرتفع الرقم ليصل إلي حوالي 24.5 ألف نسمة وبعد 30 عام تقريبا وفي عام 1928م وصل العدد إلي حوالي 52.5 ألف نسمة مما يعني أن الجالية الإيطالية إزدادت أعدداها في مصر بنسبة 122% في خلال حوالي 50 عام كما يلاحظ أن غالبية أفراد الجالية الإيطالية قد أقامت في القاهرة والإسكندرية وكانوا يفضلون الإقامة في ضواحي يكون معظم سكانها من الإيطاليين أو في الضواحي التي يقيم فيها الأجانب الآخرين من غير الإيطاليين وربما من أشهرها في القاهرة ما كان يسمي بالحي البندقي كما كانوا يستهدفون الإندماج مع المجتمع المصرى فكانوا يرتدون الثياب المصرية ويتبعون قدر الإمكان التقاليد المصرية وكان اغلبهم من طائفة الروم الكاثوليك كما كان جميعهم تقريبا وبخاصة من الأجيال القديمة يتحدثون اللغة الإيطالية كلغة أولي كما كانت لغتهم الثانية هي العربية بينما أصبحت الأجيال الجديدة من المصريين الإيطاليين بعد أن إندمجت في المجتمع المصري تتحدث اللغة العربية لكنهم كانوا يتحدثون أيضا باللغة الإيطالية على نحو ثانوي ويلاحظ أيضا أن الجالية الإيطالية في مصر قد إحتكرت توريد البضائع التي كانت شائعة في الشرق كالأثاث والمفروشات وخلافه كما قامت العديد من شركات المقاولات الإيطالية بتشييد العديد من المباني والمنشآت الشهيرة في مصر وكان من أهمها المتحف المصري بالقاهرة والذى بنته عام 1901م شركة كاروزو زافاراني الإيطالية ومبني فندق هليوبوليس بالاس الذى أصبح قصر الإتحادية الآن وقام بتنفيذه شركتان إيطاليتان كانتا من أكبر الشركات العاملة في مصر آنذاك وهما شركة ليو رولين وشركاه وشركة بادوفا دينتا مارو وفيرو .
وفي عهد الخديوى عباس حلمي الثاني ومن جاءوا بعده في حكم مصر وخاصة الملك فؤاد الأول والملك فاروق كان للإيطاليين وجود مؤثر في مصر سواء داخل أو خارج القصور الملكية حيث إشتهر في مصر في ذلك الوقت المهندس المعمارى الإيطالي الشهير أنطونيو لاشياك والذى قام بتصميم عدة منشآت هامة في مصر منها قصر الطاهرة بمنطقة حدائق القبة وقصر سعيد باشا حليم بشارع شامبليون بوسط القاهرة وقصر الأمير يوسف كمال في حي المطرية وعمارات الخديوى بشارع عماد الدين بوسط القاهرة والمبني الرئيسي القديم لبنك مصر بشارع محمد فريد بوسط القاهرة ومبني متجر صيدناوى فرع الخازندار بالقاهرة وقصر أجيون بشارع النبي دانيال ومبني محطة مصر بمدينة الإسكندرية وغيرها وأيضا المهندس المعمارى إرنست فيروتشي مهندس القصور الملكية في عهد الملك فؤاد الأول الذى قام ببناء قصر السلاملك بحدائق المنتزة وبإعادة بناء قصر رأس التين بالإسكندرية بالإضافة إلي المهندس المعمارى ماريو روسي والذى كان مسؤولا عن بناء وترميم المساجد بوزارة الأوقاف المصرية وقام بتصميم العديد من المساجد في مصر في عهدى الملك فؤاد الأول وإبنه الملك فاروق في فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين الماضي منها مسجد الرفاعي ومسجد عمر مكرم ومسجد الزمالك بالقاهرة ومسجد القائد إبراهيم ومسجد أحمد يحيي باشا بحي زيزينيا بالإسكندرية وقد إعتنق ماريو روسي الإسلام عام 1946م وأشهر إسلامه بمسجد أبو العباس المرسي الذى قام بتصميمه وبنائه وقد توفي ودفن بمصر عام 1961م وقد وضع ماريو روسي تصميما متميزا للميدان وللمسجد ويعد التصميم الذى وضعه لمسجد أبو العباس المرسي بمثابة اللبنات الأولى للعمارة الإسلامية الحديثة في مصر حيث تم الإستغناء عن الفناء أو الصحن الأوسط نظرا لضيق المساحات التي يمكن أن تخصص لبناء المساجد في المدن الكبيرة المكتظة بالسكان وفعل روسي ذلك دون أن يفقد المسجد عنصر الإضاءة الطبيعية الغامرة التي وفرها بإنشاء نوافذ سفلية كبيرة وعلوية معقودة فضلا عن نوافذ القباب المرتفعة عن مستوى سطح المسجد بما يسمي بنظام الإضاءة الجانبية العلوية وحتى اليوم لا يزال المعماريون ينهلون من تقاليد وفنيات التصميم المعمارى لمسجد أبو العباس المرسي وهم يشيدون المساجد الحديثة الضخمة وإنتهي العمل في هذا المشروع عام 1943م بعد وفاة الملك فؤاد الأول بحوالي 7 سنوات في عهد إبنه الملك فاروق وبلغ مجموع التكاليف النهائية لهذا المشروع حوالى 140 ألف جنيه مصرى وجدير بالذكر أيضا أن الملك فيكتور عمانويل الثالث آخر ملوك إيطاليا لما تم خلعه عن العرش عام 1946م إختار أن يقيم بالإسكندرية ومات ودفن بها بكنيسة القديسة سانت كاترين كما كانت إيطاليا هي المنفي الإختيارى للملك فاروق بعد خلعه عن عرش مصر يوم 26 يوليو عام 1952م وعاش بها حتي توفي في شهر مارس عام 1965م .
ويتضح لنا مما سبق عمق العلاقات المصرية الإيطالية وتدشينا لذلك فقد تم تشييد ماتم إطلاق إسم المجمع الإيطالي بشارع الجلاء بالقاهرة عليه وهو عبارة عن أربعة مباني عالية تقدم بعض المصالح والخدمات الإيطالية في مصر يتوسطها ساحة إنتظار للسيارات وحديقة متوسطة المساحة فيما تتمير هذه المباني بطراز البناء المعماري الإيطالي القديم الذى يتميزبالأبواب والنوافذ الطويلة كما تتميز المباني باللون الأحمر الطوبي وهذه المباني الأربعة أولها هي مدرسة ليوناردو دافينشي والتي تعد واحدة من أقدم المدراس الأجنبية في مصر والتي انشئت في البداية في منطقة الموسكي في عهد محمد علي باشا قبل نقلها لمكانها الحالي في شارع الجلاء وفي أول عهد هذه المدرسة كانت مخصصة لتعليم بعض أنواع الفنون فقط مثل الرسم والنحت وبعد ذلك بسنوات عديدة أصبحت مدرسة بالمعنى المعروف تضم المراحل التعليمية بداية من الحضانة حتى الثانوي العام وهي تستقبل الأطفال المصريين والإيطالين، كما تضم مسرح للفنون وصالة ألعاب رياضية وثاني هذه المباني هو المعهد الثقافي الإيطالي والذى يسمي معهد دانتي أليجيري الذي يقدم دورات لتعليم اللغة الإيطالية لجميع الأعمار والجنسيات الموجودة في مصركما يهتم بنشر الثقافة المحلية الإيطالية بوجه عام عن طريق عرض مجموعة من الأفلام أو من خلال وجود بعض الكتب في الأدب والشعر الإيطالي ودانتي أليجيري المسمي بإسمه المعهد هو واحد من أكبر الشعراء الإيطاليين الذي يشتهر بأهم أعماله الكوميديا الإلهية وكان له دور كبير في الثقافة الإيطالية قديما وظلت أعماله مصدر إلهام في الثقافة الحديثة والذى تأثر عند كتابته لهذا المؤلف الشهير في بداية القرن الرابع عشر الميلادى برسالة الغفران التي كتبها أبو العلاء المعرى قبل ذلك بعدة قرون وثالث المباني بالمجمع الإيطالي هو النادي الإيطالي والذى يستقبل الزوار في عدد ساعات قليلة من اليوم ويقدم لهم بعض المشروبات والوجبات الإيطالية الخفيفة أما رابع المباني فهو الملحقية العسكرية الإيطالية وهي تختص بالأمور العسكرية والتعاون في المجال العسكرى بين البلدين . 
وجدير بالذكر أن هذا المجمع قد تعرض لحادث تفجير إرهابي خسيس في شهر يوليو عام 2015م مما تسبب في حدوث خسائر جسيمة بمبانيه كما أدى إلي تصدع العديد من المساكن الواقعة خلفه بمنطقة بولاق أبوالعلا وكانت المعاينة الأولية لحادث الإنفجار قد اشارت إلى قيام مجهولين بوضع عبوة ناسفة أسفل إحدى السيارات المتواجدة بمحيط المجمع وتفجيرها عن بعد وقد تم العثور بمحيط الإنفجار على أجزاء من السيارة التي زرعت أسفلها القنبلة وقد أدى هذا الحادث الغادر إلي مقتل شخص وإصابة 9 آخرين بجراح وقد تبنى تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بإسم داعش المسؤولية عن هذا التفجير وذكر بيان منسوب لداعش على شبكة الإنترنت أن السيارة المفخخة التي إستخدمت في التفجير كانت تحمل 450 كيلوجرام من المواد المتفجرة ومن جهة أخرى قال المتحدث بإسم وزارة الخارجية بالمصرية إن الحكومة المصرية قررت تحمل نفقات ترميم وإصلاح مبنى المجمع الايطالي ومعالجة الأضرار التي لحقت به من جراء هذا الحادث الإرهابي .

المهندس طارق بدراوي شهاب الدين

عن meram firstnews

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معالم مصر التاريخية علي مر العصور يكتبها: المهندس” طارق بدراوى” ** مدينة طنطا /3 **

سلسلة معالم مصر التاريخية علي مر العصور بقلم المهندس/ طارق بدراوى ** مدينة طنطا /3 ...